صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
مقدمه 44
كسر أصنام الجاهلية
أحدهما الدّعاوي الطويلة العريضة في العشق مع اللّه تعالى والوصال المغني عن الأعمال الظّاهرة ، حتى ينتهي قوم إلى دعوى الاتّحاد وارتفاع الحجاب والمشاهدة بالرؤية والمشافهة بالخطاب ، فيقولون : « قيل لنا كذا وقلنا كذا » . ويتشبّهون فيه بالحسين بن منصور الحلّاج الذي صلب لأجل إطلاقه كلمات من هذا الجنس ، ويستشهدون بقوله : « أنا الحقّ » وبما حكي عن أبي يزيد البسطامي أنّه قال : « سبحاني ، سبحاني ! » . وهذا فنّ من الكلام عظيم ضرره في العوام ، حتى ترك جماعة من أهل الفلاحة فلاحتهم وأظهروا مثل هذه الدّعاوي ؛ فإنّ هذا الكلام يستلذّه الطّبع ، إذ فيه البطالة من الأعمال مع تزكية النّفس بدرك المقامات والأحوال . فلا تعجز الأغبياء عن دعوى ذلك لأنفسهم ولا عن تلقّف كلمات مخبّطة مزخرفة . ومهما أنكر عليهم ذلك ، لم يعجزوا عن أن يقولوا : هذا إنكار مصدره العلم والجدل ؛ والعلم حجاب ، والجدل عمل النّفس . وهذا الحديث لا يلوح إلّا من الباطن بمكاشفة نور الحق ، فهذا ومثله ممّا قد استطار في البلاد شرره وعظم في العوام ضرره ؛ حتّى من نطق بشيء منه ، فقتله أفضل في دين اللّه من إحياء عشرة . وأمّا أبو يزيد البسطامي - رحمه اللّه - ، فلا يصحّ عنه ما يحكى ؛ وإن سمع ذلك منه ، فلعلّه كان يحكيه عن اللّه عزّ وجلّ في كلام يردّده في نفسه ، كما لو سمع وهو يقول : إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي « 1 » ، فإنّه ما كان ينبغي أن يفهم منه ذلك إلّا على سبيل الحكاية . « 2 »
--> ( 1 ) سورهء طه ( 20 ) ، آيهء 14 . ( 2 ) إحياء علوم الدّين ، ج 1 ، ص 42 .